الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي
674
الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية
الغازي محمود خان ، يحذره على مملكته من قوة شوكته ، بما حشد من العدد والعدد ، فكاد أن يسبق السيف العذل ، ويبلغ الكتاب الأجل ، لولا أن ألهمه اللّه عزّ وجل فاستشار في ذلك الإمام الهمام ، مكي زاده مصطفى عاصم أفندي شيخ الإسلام ، فقال له : يا أمير المؤمنين ! قال اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ [ الحجرات : 6 ] فأرى أن ترسل لاستكشاف حاله معتمدا ، وليتلطف ولا يشعرن به أحدا ، فأنفذ إليه رجلين ، قد تحليا بحلية درويشين جليلين ، فلما وصلا إليه ، وقد أخفيا الأمر وأظهره اللّه عليه ، أحسن لهما الوفادة ، وأكرمهما فوق العادة ، ودعاهما إلى طعامه قدس اللّه سره ، وأطلعهما بوسيلة تأخر الطعام ، وتسليتهما برؤية كيفية بيوت الشام ، على مساكن داره حجرة حجرة ، فلما لم يجدا فيهن سوى أثاث الإقامة ، علما أن ذلك منه أكبر كرامة ، فقبلا قدميه وأوضحا الأمر إليه ، وأخذا عنه الطريقة العلية ، وأبيا أن يرجعا إلى القسطنطينية ، فقال : بل الأولى أن تعودا فتفيدا حضرة السلطان ما أرسلتما إليه ، ومن شاء أن يرجع بعد فلا جناح عليه ، فلما رفع الرجلان صحة الأمر إلى السلطان - حمد اللّه عزّ وجل - وشكر شيخ الإسلام على ما فعل ، ثم عاد أحدهما إلى خدمته ، وتوفي بدمشق ودفن في تربته . عودا على بدء ثم لما رجع كما تقدم إلى السليمانية ، ومعه الخلفاء الحنفاء من فحول علماء بغداد وغيرهم ، وعليهم أبهة الأنوار الفهوانية ، ورأى أميرها محمود باشا ابن عبد الرحمن باشا طاب ثراهما ما جبل الشيخ قدس سره عليه ، من إقبال العباد من كل البلاد إليه ، والتجائهم إلى مقامه ، واغتذائهم بإنعامه الروحاني والجثماني ، بنى له زاوية ومسجدا ، ليكونا للعلوم والمعارف مصدرا وموردا ، وتحرى أوجه الحل للنفقة في ذلك ، ورتب الرواتب الكافية لكل طالب مواظب بها وناسك سالك ، فأبى الشيخ ما أجراه ، فألح عليه حتى أرضاه ، فشرع بالإرشاد كما أرشد في بغداد ، فأقبلت إليه أهل الهمم ، كالعالم الرباني الشيخ